الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

245

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

يحسن كلام العرب وغيرها ، وأنه سمع رجلا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم فتأملتها فإذا قد جمع اللّه فيها ما أنزل على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة . وهي قوله تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ « 1 » الآية . وقد رام قوم من أهل الزيغ والإلحاد ، أوتوا طرفا من البلاغة ، وحظّا من البيان ، أن يضعوا شيئا يلبسون به ، فلما وجدوه مكان النجم من يد المتناول ، مالوا إلى السور القصار ، كسورة الكوثر والنصر وأشباههما ، لوقوع الشبهة على الجهال فيما قل عدد حروفه ، لأن العجز إنما يقع في التأليف والاتصال . وممن رام ذلك من العرب في التشبث بالسور القصار ، مسيلمة الكذاب فقال : يا ضفدع نقى كم تنقين ، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين ، لا الماء تكدرين ، ولا الشراب تمنعين . فلما سمع أبو بكر - رضى اللّه عنه - هذا قال : إنه كلام لم يخرج من إل . قال ابن الأثير : أي من ربوبية ، و « الإل » بالكسر هو اللّه تعالى . وقيل : الإل الأصل الجيد ، أي لم يجئ من الأصل الذي جاء منه القرآن . ولما سمع مسيلمة الكذاب - لعنه اللّه - و « النازعات » قال : والزارعات زرعا والحاصدات حصدا والذاريات قمحا ، والطاحنات طحنا ، والحافرات حفرا ، والثاردات ثردا ، واللاقمات لقما ، لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر . إلى غير ذلك من الهذيان ، مما ذكرت في الوفود من المقصد الثاني بعضه واللّه أعلم . وقال آخر : ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج من بطنها نسمة تسعى ، من بين شراسيف « 2 » وأحشى وقال آخر : الفيل ما الفيل ، وما أدراك ما الفيل ، له ذنب وثيل ، ومشفر طويل ، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل .

--> ( 1 ) سورة النور : 52 . ( 2 ) الشرسوف : غضروف على طرف كل ضلع .